محمد متولي الشعراوي

10734

تفسير الشعراوي

وقلنا : إن اليقين درجات ؛ علم اليقين ، وعين اليقين ، وحقُّ اليقين ، فمثلاً حين أقول لك : إنني رأيتُ في أحد البلاد أصبع الموز نصف متر ، وأن تثق فيَّ ولا تكذبني ، فهذا علم يقين ، فإنْ رأيته ، فهذا عَيْن اليقين ، فإن أخذته وذهبتَ تقطعه مثلاً ، وتوزعه على الحاضرين فهذا حقُّ اليقين . وهذه الدرجة لا يمكن أن يتسرَّب إليها شكٌّ . لذلك لما « سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الصحابي الحارث بن مالك الأنصاري : » كيف أصبحتَ « ؟ قال : أصبحتُ بالله مؤمناً حقاً ، قال » فإنّ لكل حَقِّ حقيقة ، فما حقيقة إيمانك ؟ « قال : عزفَتْ نفسي عن الدنيا ، فاستوى عندي ذهبها ومدرها ، كأنِّي أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يُنعَّمون ، وإلى أهل النار في النار يُعذَّبون ، فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : » عرفت فالزم « . والإمام على رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يعطينا صفة اليقين في قوله : لو كُشِف عني الحجاب ما ازددتُ يقيناً ؛ لأني صدقت بما قال الله ، وليست عيني أصدق عندي من الله . ومن هذا اليقين ما ذكرنا في قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفيل } [ الفيل : 1 ] مع أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وُلِد في هذا العام ، فلم يَرَ هذه الحادثة ، فالمعنى : ألم تعلم ، وعدل عن ( تعلم ) إلى ( ترى ) ليقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن إخبار الله لك أقوى صِدْقاً من رؤية عينيك .